محمد العربي الخطابي
393
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
بعضه نجده حارّا بالإضافة إلى بدن الإنسان وبعضه باردا ، وليس باردا فقط بل يهلك ببرده . والزيت أيضا من الأشياء التي الحرارة والرطوبة أغلب عليه إذ كانت الهوائية فيه ظاهرة جدا . ولقائل أن يقول : كيف يكون الزيت الغالب على أجزائه الهوائية وهو يخثر من البرد وإنّما يخثر من البرد ويجمد المائية ؟ فنقول : إنما يخثر الزيت من البرد بأن يتحوّل كثير من الأجزاء الهوائية الذي فيه ماء وحينئذ يعرض له هذا ، وقد تقصّي الأمر في الزيت وفي طبيعته في الرابعة من الآثار ، فلهذا أيضا لا يوثق بمثل هذه المقاييس بل التجربة هي القاطعة في ذلك . وكيف لا ونحن نرى كثيرا من الأشياء إذا وضعت على النّار كانت أبعد شيء أن يستحيل بسرعة ، وإذا تناولها بعض الحيوان وجدناها على المكان قد استحالت عن الحارّ الغريزيّ الذي فيه بمنزلة ما يحكى عن النّعم أنها إذا التقمت الذهب ثم أخرج من أجوافها على الحين وجد قد نقص ، هذا مع عسر انفعال الذهب على النّار ، ولسنا نقدر أن نقول إن ذلك من أجل أن الحرارة في هذا الحيوان أكثر من حرارة النّار ، هذا مستحيل ، وإن كان ذلك كذلك فإذن إنّما ذلك شيء تابع لجملة جوهر حرارة ذلك الحيوان ، وهذا - كما قلنا - أظهر في الأغذية منه في الأدوية ، وذلك أنّ الغذاء لمّا كان هو الذي في طباعه أن ينقلب جزءا من الغاذي حتى يصير هو هو بالنوع فمن البيّن أن هذه الملاءمة التي بين الغذاء والمغتذى إنّما هي في جملة الجوهر ، ولذلك ما قد يكون غذاء ما لحيوان ما سمّا لآخر كالخربق للسّمانى والبيش للزرازير . وأما الدواء فمن حيث إنه يفعل بالأبدان كيفيات أوّلا ظنّ أن ذلك قد يدرك بالقول ، لكن مع هذا كلّه نجد جالينوس وسائر الأطبّاء قد راموا أن يضعوا قوانين يستدلّ منها على أفعال الأدوية في الأبدان الإنسانية ، وهي وإن كانت - كما قلنا - أدلة ظنيّة ، بل إن ذهبنا بها مذهب الترفيع نقول إنها أكثرية لا ضرورية فإنّ لها منافع أحدها أنها تنبّه الإنسان إلى التجربة فإن ساعدته التجربة على ظنّه قطع على ذلك . ولهذا ما نسمع جالينوس يقول : إن الآلتين اللتين استنبطت بهما هذه الصناعة هما التجربة والقياس ، وأيضا فإنّ هذه الدلائل نافعة بالمقايسة بين الأشياء التي شهدت التجربة أنها غذائية ودوائية ، مثال ذلك : أنه متى كان غذاءان أحدهما هشّ والآخر لزج قطعنا بسرعة استحالة الهشّ إذ كان تقسّمه عن الحرارة أسرع - وبالجملة - انفعاله ، وأيضا متى